عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
284
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « فَباؤُ بِغَضَبٍ » الباء للحال ، أي : رجعوا ملتبسين بغضب ، أي : مغضوبا عليهم ، وقد تقدم ذلك . قوله : « عَلى غَضَبٍ » في محلّ جر ؛ لأنه صفة لقوله : بِغَضَبٍ أي : كائن على غضب أي بغضب مترادف . فصل في تفسير الغضب في تفسير الغضب وجوه : أحدها : لا بد من إثبات سببين للغضبين : أحدهما : تكذيبهم عيسى - عليه الصلاة والسلام - وما أنزل عليه ، والآخر تكذيبهم بمحمد - صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » - قاله الحسن والشّعبي وعكرمة وأبو العالية وقتادة . وقال ابن عباس ومجاهد : الغضب الأول تضييعهم التّوراة وتبديلهم . والثاني : كفرهم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم « 2 » . وقال عطاء ، وأبو عبيد : ليس المراد إثبات الغضبين فقط ، بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور مترادفة صدرت عنهم نحو قولهم : عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [ التوبة : 30 ] يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [ المائدة : 64 ] إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [ آل عمران : 181 ] وغير ذلك من أنواع كفرهم . وقال أبو مسلم : المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل الكفر ، وإن كان واحدا إلا أنه عظيم . وقال السدي : الغضب الأول بعبادتهم العجل والثاني بكتمانهم صفة محمد وجحدهم نبوّته « 3 » . قوله : « مهين » صفة ل « عذاب » ، وأصله : « مهون » ؛ لأنه من الهوان ، وهو اسم فاعل من أهان يهين إهانة مثل : أقام - يقيم - إقامة ، فنقلت كسرة « الواو » على الساكن قبلها ، فسكنت « الواو » بعد كسرة ، فقلبت ياء . والإهانة : الإذلال والخزي . وقال : « وللكافرين » ولم يقل : « ولهم » تنبيها على العلّة المقتضية للعذاب المهين ، فيدخل فيها أولئك الكفّار وغيرهم . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 91 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 91 )
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 2 / 345 ) عن عكرمة وقتادة . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 171 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 2 / 345 ) عن ابن عباس والأثر ذكره ابن هشام في « السيرة النبوية » ( 2 / 190 ) . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 2 / 346 ) ، عن السدّي .